علي بن محمد البغدادي الماوردي

213

النكت والعيون تفسير الماوردى

فذهب أبو حنيفة إلى أنّ السعي بين الصفا والمروة غير واجب في الحج والعمرة منسكا بأمرين : أحدهما : قوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ورفع الجناح من أحكام المباحات دون الواجبات . والثاني : أن ابن عباس وابن مسعود قرء : فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما . وذهب الشافعي ، ومالك ، وفقهاء الحرمين ، إلى وجوب السعي في النسكين تمسكا بفحوى الخطاب ونص السنة ، وليس في قوله : فَلا جُناحَ دليل على إباحته دون وجوبه ، لخروجه على سبب ، وهو أن الصفا كان عليه في الجاهلية صنم اسمه إساف ، وعلى المروة صنم اسمه نائلة ، فكانت الجاهلية إذا سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيما لإساف ونائلة ، فلما جاء الإسلام وألغيت الأصنام تكرّه المسلمون أن يوافقوا الجاهلية في الطواف حول الصفا والمروة ، مجانبة لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة ، فأباح اللّه تعالى ذلك لهم في الإسلام لاختلاف القصد فقال : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . وأما قراءة ابن مسعود ، وابن عباس : فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما ، فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن ( لا ) صلة في الكلام إذا تقدمها جحد ، كقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ الأعراف : 12 ] بمعنى ما منعك أن تسجد ، وكما قال الشاعر « 268 » : ما كان يرضى رسول اللّه فعلهم * والطيبان أبو بكر ولا عمر وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : ومن تطوع بالسعي بين الصفا والمروة ، وهذا قول من أسقط وجوب السعي . والثاني : ومن تطوع بالزيادة على الواجب ، وهذا قول من أوجب السعي . والثالث : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء فرضهما .

--> ( 268 ) الشاعر هو جرير والبيت في ديوانه ( ص :